View high resolution
renoa:
she never knew there was another choice.
I know it’s nowhere near your idea, but bear with me. It is your gift. xD
رقصة النار
-“وهكذا تحركت راقصة الباليه الفخارية، أمام أعين جدتك الذاهلة، متمطئة بعد تصلبها في وضعية واحد لسنواتٍ عدة وظلت ترقص بخفة الفراش حتى غفت عينا جدتك، وعندما استيقظت كانت الراقصة قد أضحت فخاراً من جديد، لكن…!”
وفرقعت الأم بإصبعها بتلذذ أمام أعين ابنتها التي لم ترف جفناً، من بدأت القصة، ودامعة لإثر ذلك.
-“كانت بوضعية مختلفة تماماً عن التي ظلت عليها طوال الفترة السابقة.”
صفقت الأم بكفيها بجذل واستغرقت بالضحك. لسببٍ ما صارت هذه القصة مضحكة، خاصة بعد أن جافاها النوم ليومين متعاقبين. ضمت الأم ابنتها ذات السنوات السبع واستلقت على فراشها الصغير الذي تسللت إليه قبل ساعة من الزمن سائلة إياها بصوتٍ حاولت ألا يبدو بالغ التضرع:”هل تريدين أن تسمعي قصة ما قبل النوم؟” كان جواب رو ذات العينان المطبقتان والصوتِ الخامل:”أنا نائمة بالفعل.”
-“هيا يا رو، لننم الآن.”
أغلقت الأم عينيها شادةً يداها حول جسد رو النحيل، لكن رو لم تبد نعسة.
-“ماما، أهذه القصة حقيقية؟ أحدثت لجدتي فعلاً؟”
فتحت الأم عينيها ببؤس.
-“لا أظن ذلك يا صغيرة، جدتك تمتلك قريحة واسعة.”
-“ما معنى قريحة؟”
هدهدت الأم ابنتها:
-“تعني ملكة، مخيلة يا حبيبتي.”
-“إذا كانت القصة غير حقيقية، أهذا يعني أن راقصة الباليه غير موجودة أيضاً؟”
عقدت الأم حاجبيها في محاولة منها لاستجلاب الذكريات، وهمهمت قليلاً.
-“كلا، الدمية حقيقية.”
وأكملت بصوتٍ خافت وكأنما تكلم نفسها:
-“ربما هذا ما جعل القصة مثيرة جداً بالنسبة لنا.”
ضحكت بخفة قبل أن تردف بجدية نسبية:
-“أتعلمين، أعتقد أنها موجودة في حاجياتي القديمة المحفوظة بالعليّة. ما رأيك أن نبحث عنها في الصباح يا رو؟ والآن لننم!”
لكن النوم قد جافى رو ولم تكن لتعتق أمها بهذه السهولة.
-“هل حاولتي أن تراقبيها لتري إن كانت ستتحرك؟”
-“أكثر بمرات مما تستطيعين تخيله! حاولت وخالك أن نراقبها باستمرار، حتى أننا مرة نظمنا مناوبات على مدى اليوم لئلا تغفل أعيننا عنها.”
هزت رأسها في استهجان من تصرفات طفولتها المخجلة.
-“يبدو أننا ملكنا وقت فراغٍ كبير وقتها.”
همهمت رو موافقة.
-“أتعتقدين أن كانت لتتحرك لو لم تكونا تنظران؟”
-“لا أعلم يا رو. كيف رأتها جدتك إن كانت هذه هي خدعتها؟ ثم إنها…”
صمتت الأم بوجوم وأضافت بهدوء:
-“ثم إنها بدت هشة جداً، سهلة الكسر، كيف لتتحرك؟”
صمتت رو بعد أن رأت أنها قد عاقبت أمها بالقدر الكافي على تعكيرها لنومها. منتظرة حتى ارتخت يدا والدتها عندما استغرقها النوم، سحبت رو نفسها من عناق أمها ملامسة الأرض الخشبية الباردة بقدماها الحافيتان. تحركت خطواتها الحذرة ناحية الدرج المؤدي للأعلى، لحسن حظها كانت أمها تبقي بعض الأضواء مشعلة.
أضائت أنوار العليّة شاعرة أن فوضوية المكان تبتلعها. أخذت رو نفساً عميقاً وبدأت تنظر إلى الصناديق بفضول. كان الشكر لوالدها في عنونة الصناديق بمسميات كـ”ملابس رو، عام 3” و”أدوات رياضية”. استغرقها الوقت وهي تقلب بين الصناديق حذرةٍ من أن تصدر جلبة كبيرة وأن تلوث ملابسها بالغبار. بعد فترة من البحث رأت صندوقاً معنوناً بـ”ألعاب قديمة” كان فوق مكان مرتفع، واضطرت رو لسحب كرسي من أقصى الغرفة لتجلبه. كان مليئاً بأشياء سخيفة، وأخرى مثيرة للاهتمام. وجدت رو من بين تلك علبة خشبية بزخرفاتٍ منمنمة؛ رفعته بعناية من قاع الصندوق وفتحته برفق رافقه الكثير من التلهف لتجد راقصة الباليه الفخارية نائمة بجمود كما قالت أمها.
أغلقت الصندوق محتضنة العلبة لتنزل بهدوء وعلى أطراف أصابعها توجهت إلى الطابق السفلي، لأدفئ غرفة حيث المدفأة ما زالت متوقدة برغم تحذيرات والدها لأمها اللامبالية، الحرائق تحدث للناس الآخرين.
تربعت رو بقرب المدفأة وفتحت العلبة متلقفة الراقصة بين أناملها الصغيرة التي تثلجت قليلاً. كانت صغيرة، نحيلة الأطراف طويلتها، متقنة الصنع حتى تكاد تدب فيها الحياة. ساقان ممدودتان برشاقة إلى الأسفل، تنورة الفستان مفرودة، جذعٌ محني وذرعان يحيطان به، رأسٌ مطأطيء. كانت كمن يحتضن نفسه باكياً.
انتظرت رو فترة طويلة متأملة قطعة الفخار، التي أسندتها إلى ناصية المدفأة، بعينٍ لا تمل قبل أن تدق الساعة الواحدة ما بعد منتصف الليل وتغفو عينيها.
استيقظت رو على صوتٍ أشبه بفرقعة الفشار عندما تصنعه أمها، واتجه بصرها للراقصة التي دنت من نار المدفأة حتى تكاد تحترق بلهبها. كانت تتحرك بخفة، بألطف وأرق حركاتٍ رأتها رو في حياتها، كفراشةٍ تدب بها الحياة عند قربها للضوء. كل التفاتةٍ منها ترسل طفقاً من النور يلتف حولها كطوقٍ من الياسمين. كانت حية كما الحياة ذاتها، تنبض بالألوان. لم تعد فخاراً.
ظلت أعين رو شاخصة على الراقصة حتى قارب الفجر وبدأت النار بالخبو، وباتت حركاتها أكثر تخاذلاً، وألوانها خبواً، وأضوائها خفوتاً. حتى انطفئت النار، زال السحر وتجمدت الراقصة فخاراً من جديد.
~ * ~
انتظرت رو حتى ذهاب أمها إلى النوم قبل أن تعيد خطواتها في الليلة الماضية، لكن بدل أن تسترجع علبة الراقصة من صندوقٍ ما في العليّة، أخرجتها من درجها حيث اختبئت تحت الملابس.
المدفأة موقدة، لم تكن أمها تنوي إشعالها هذا اليوم لكن رو همست لها بأنها تحب أن ترى النار وهي تتناول عشائها، ولأن أم رو شخصٌ غريب الأطوار لم تشعر بأن ما طلبته ابنتها غريب أبداً.
اقتربت من النار بوجل، ووضعت الراقصة بقربها. كانت تشعر بأنها كاهنة تقدم القرابين للنار المقدسة كما قرأت في أحد القصص، وهذا جعلها تحبس أنفاسها لبضعة ثوانٍ. لم تخبر رو أمها عم حدث البارحة، كانت تشعر بأنها لن تصدقها. ورو نفسها أرادت أن تتأكد قبل أن تخبرها. يا ترى، ما الذي ستفعله أمها إن رأت الراقصة تتحرك أخيراً؟
تذكرت رو أن الراقصة استغرقت وقتاً لتتحرك، لذلك حاولت أن تفعل شيئاً آخر، حتى أن تغفو قليلاً. مرت ساعة، وكما البارحة دقت الواحدة بعد منتصف الليل. لا شيء، لم تتحرك. تأملت رو الراقصة على مدى دقات الساعة حتى بدأت تسمع زقزات العصافير من النافذة الواسعة.
~ * ~
ليلة أخرى، وتالية. نفذ صبر رو. رمقت قطعة الفخار بعصبية، وأمسكت بها ضاغطة عليها بشدة. هشة بالفعل، لكنها لم تتأثر بقوة رو. ألقت النار على الفخار بانعكاسات عدة. نظرت رو إليها بسهوم قبل أن ترميها بين ألهاب النار المتموجة.
لا تعلم ما الذي كانت تنتظره وهي ترمقها. صرخة؟ آهة؟ أي شيءٍ يدل على حياة الراقصة، الحياة التي رأتها تنبض أمام عينيها قبل عدة ليالي. اسودّت أطرافها، وتلوث وجهها بالسناج. بدأ وجهها بالذوبان أولاً، مخلطاً مع الرماد الأسود. تهيأ لرو، أنها تسمع عويلاً، لكنها عرفت بقرارة نفسها أن هذا ما تريده هي. فضلت أن تقتل شيئاً حياً، على أن تثبت لها تجربتها أنه لم يكن يوماً كذلك. شعرت بأن أحاسيسها هذه شنيعة، بدون أن تعلم لماذا أو كيف تذهبها. أفكارها عن الموت والحياة شبه معدومة حتى الآن.
طقطقت الأخشاب تحت وطأة الحرارة، والتمعت المناطق التي ذابت عليها الراقصة. هذا ما بقي منها.
ذهبت رو إلى غرفتها، لم تفكر بالراقصة بعدها.